أبو علي سينا
118
القانون في الطب ( طبع بيروت )
الأمراض الصيفية ، وتغيّرت الأمراض التي كانت قبلها بحكم الفصل ، وإذا طال فصل كثرت أمراضه وخصوصاً الصيف والخريف . واعلم أن لانقلاب الفصول تأثيراً ليس هو بسبب الزمان لأنه زمان ، بل لما يتغيّر معه من الكيفية هو تأثير عظيم في تغيّر الأحوال وكذلك لو تغيّر الهواء في يوم واحد من الحر إلى برد لتغيّر مقتضاهما في الأبدان . وأصح الزمان هو أن يكون الخريف مطيراً والشتاء معتدلًا ليس عادماً للبرد ولكن غير مفرط فيه بالقياس إلى البلد . هان جاء الربيع مطيراً ولم يخل الصيف من مطر فهو أصحّ ما يكون . الفصل الخامس الهواء الجيد الهواء الجيّد في الجوهر ، هو الهواء الذي ليس يخالطه من الأبخرة والأدخنة شيء غريب ، وهو مكشوف للسماء غير محقون للجدران والسقوف ، اللهم إلا في حال ما يصيب الهواء فساد عام فيكون المكشوف أقبل له من المغموم والمحجوب ، وفي غير ذلك فإن المكشوف أفضل . فهذا الهواء الفاضل نقي صافٍ لا يخالطه بخار بطائح وآجام وخنادق وأرضين نزه ومباقل ، وخصوصاً ما يكون فيه مثل الكرنب والجرجير ، وأشجار خبيثة الجوهر مثل الجوز والشوحط والتين وأرياح عفنة ، ومع ذلك يكون بحيث لا يحتبس عنه الرياح الفاضلة ، لأنّ مَهابُّها أرض عالية ومستوية فليس ذلك الهواء هواء محتبساً في وهدة يسخن مع طلوع الشمس ويبرد مع غروبها بسرعة ، ولا أيضاً محقوناً في جدران حديثة العهد بالصهاريج ونحوها لم تجف بعد تمام جفافها ، ولا عاصياً على النفس كأنما يقبض على الحلق ، وقد علمت أن تغيرات الهواء منها طبيعية ، ومنها مضادة للطبيعة ، ومنها ما ليس بطبيعي ولا خارج عنه ، واعلم أن تغيرات الهواء التي ليست عن الطبيعة كانت مضادة أو غير مضادة قد تكون بأدوار ، وقد تكون غير حافظة للأدوار ، وأصح أحوال الفصول أن تكون على طبائعها فإن تغيرها يجلب أمراضاً . الفصل السادس كيفيات الأهوية ومقتضيات الفصول الهواء الحار يحلل ويرخي ، فإن اعتدل حمر اللون بجذب الدم إلى خارج ، وإن أفرط صفره بتحليله لما يجذب ، وهو يكثر العرق ، ويقلل البول ويضعف الهضم ويعطش والهواء البارد يشد ويقوي على الهضم ويكثر البول لاحتقان الرطوبات وقلة تحلّلها بالعرق ونحوه ، ويقلل الثفل لانعصار عضل المقعدة ومساعدة المعي المستقيم لهيئتها فلا ينزل الثفل لفقدان مساعدة المجرى ، فيبقى كثيراً وتحلل مائيته إلى البول . والهواء الرطب يليّن الجلد ويرطب البدن . واليابس يفحل البدن يجفف الجلد . والهواء الكدر يوحش النفس ويثير الأخلاط . والهواء الكدر غير الهواء الغليظ ، فإن الهواء الغليظ هو المتشابه في خثورة جوهره ، والكدر هو المخالط لأجسام غليظة . ويدل على الأمرين قلة ظهور الكواكب الصغار وقلة لمعان ما يلمع من الثوابت كالمرتعش . وسببهما كثرة الأبخرة والأدخنة وقلة الرياح الفاضلة . وسيعود لك الكلام في هذا المعنى ويتم إذا شرعنا في تغييرات الهواء الخارجة عن المجرى الطبيعي . وكل فصل يرد على